موقع النظام القضائى فى أنظمة الحكم الوطنية

موقع النظام القضائى فى أنظمة الحكم الوطنية

حسب الدستور فإن السلطة القضائية هي السلطة الثالثة في الدولة. و للدولة شخصيتان , شخصية باعتبارها مجموعة من المواطنين ذوي كيان متماسك , و شخصية الحكومة باعتبارها الجهاز التنفيذي للشخصية الأولى و هي تتكون من رئيس الجمهورية باعتباره رأس الدولة و يتمتع بسلطات معينة حسب أنظمة الحكم المختلفة – و رئيس وزراء و هو الذي يعهد إليه رئيس الجمهورية بتأليف الوزارة و لم تتفق الدساتير على طريقة معينة لانتخابه و لكنها تتفق جميعا على ضرورة صدور التعيين شكليا من رأس الدولة و يعتبر رئيس الوزراء هو رأس السلطة التنفيذية و هناك السلطة التشريعية التي يمثلها البرلمان او المجلس الوطني أو الجمعية الوطنية على اختلاف مسمياتها من دولة إلى أخرى.

و قد استقر الأمر عند جميع الفقهاء و الدساتير على أن القضاء سلطة ثالثة و مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية و لكن الخلاف يقوم على طريقة تعيين رجال السلطة القضائية و تحديد مكافآتهم و أجورهم و عزلهم عن المنصب و قد وجد هذا الخلاف طريقه إلى بطون الدساتير و لهذا عنيت الدساتير بالنص على طريقة التعيينات القضائية حرصا منها على استكمال استقلال القضاء و إلا كان خاضعا للسلطة التفيذية. لم تخرج النصوص الدستورية المتعلقة بالنظام القضائي الواردة في كل الدساتير التي صدرت في السودان منذ 1956-1998 عن نمط الدساتير العالمية إذ أتى كل واحد من هذه الدساتير متضمنا الأحكام الأساسية التي تحدد اختصاصات السلطة القضائية و ضمان استقلالها , و إذا حصل خلاف بينها فهو فيما يتعلق بالمسائل الإدارية.

في عام 1972 صدر قانون السلطة القضائية الذي جعل من وزير العدل مسئولا عن القضاء الذي فاقم من حساسية القانويين نحو الإشارة لغير الهيئة القضائية حتى في المسائل الإدارية. و يعتبر القانون نقلة مفاجئة للهيئة القضائية من النظام الذي كانت تسير عليه لما يزيد عن سبعين عاما لنظام جديد مأخوذ برمته عن النظام المصري و قد اصطدم بعوائق كثيرة جعلته لا يستمر لعام واحد إذ أن نفاذ قانون السلطة القضائية لسنة 1972 كان بتاريخ 3/6/1972 و ألغي بتاريخ 8/5/1973 تاريخ صدور قانون الهيئة القضائية لسنة 1973.

و قد جعل قانون السلطة القضائية 1972 من رئيس الجمهورية السلطة العليا بمعنى "أن يكون رئيس الجمهورية له القول الفصل في جميع المسائل الهامة المتعلقة بالقضاء و ذلك بوصفه المعبر عن إرادة الشعب مصدر السلطات و الأمين على مقدراته و مقدساته".

عند تسلم نظام نميري للسلطة في مايو 1969 انتهج سياسة سماها سياسة "التطهير الشامل" في الجيش و الخدمة المدنية و القضاء فقد أعفوا كل قضاة المحكمة العليا. و قبلهم نظام عبود جعل لرئيسه جميع السلطات التشريعية و القضائية و التنفيذية و جعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو السلطة القضائية العليا في السودان.

و عند تسلم المجلس العسكري برئاسة الفريق أول عبدالرحمن محمد حسن سوار الذهب – عندما تسلم السلطة بعد إعلان سقوط حكومة النميري قام ممثلون للقضاة بتقديم مذكرة لهيئة القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة بتاريخ الأحد السابع من أبريل 1985 و جاءت منه بتعهد بأنهم سيتركون أمر الهيئة القضائية للقضاة.

و تأثر تطوير الهيئة القضائية كثيرا بمدى إستقرار الأوضاع السياسية حيث شهدت فترة منتصف الستينيات 1965-1969 صراعات حزبية بين الأحزاب حتى في داخل الحزب الواحد أحيانا فلم تلتف الحكومات الوطنية لتطوير الهيئة القضائية لهذا السبب

و لسبب آخر هو الحساسية المفرطة من التعرض لأمور الهيئة القضائية حتى و لو كانت تلك الأمور إدارية بحتة. غير أن تلك الحساسية لم تمنع بعض المسؤولين الحزبيين من محاولة التدخل مرارا في شئون القضائية . مدت حكومة "25 مايو" يدها للقضائية فعملت لها نظاما سري من 3 يونيو 1972 فلم يدع تصريف الأمور الإدارية في يد رئيس القضاء وحده فأنشأ مجلس القضاء العالي
و حدد إختصاصاته و غالبا ما كان يشمل هذا المجلس وزير المالية في عضويته و بعض أهل الإختصاص و كان ذلك لازما. لذلك يعتبر عام 1972 تاريخا للمرحلة الأولى من النهوض بالهيئة القضائية